كوركيس عواد
18
الذخائر الشرقية
في أنحاء المعمورة كافة ، أدّى ذلك كله إلى ازدياد نسخ الكتب وتوفرها في أيدي طبقات الناس في مقابل ثمن زهيد يبتاعونها به . وهذا لا يعد شيئا مذكورا إذا قيس بأثمان الكتب المخطوطات التي كان الناس قديما يدفعونها . فالورق حينذاك كان مادة ثمينة عزيزة المنال ، وأجرة النسخ - وهو عمل صعب - كانت تقتضي نفقة كثيرة لا يقوم بها إلا من أوتي حظا حسنا من الثروة . ومع ذلك كله قد عرف الأقدمون بحبهم للكتب وولعهم بها ، سواء أكانت مكتوبة على الطين أو الحجر أو البردي أو الرق أو الورق . وعنوا بجمعها واختزانها في خزائن . فخزائن الكتب ليست من مبتكرات العصور الأخيرة ، بل هي مما توصل إليه البشر منذ عهد بعيد يسبق الميلاد بقرون عديدة ، على ما سنجيء بذكره في هذا المقال . * * * وخزائن الكتب القديمة في العراق ، بعضها يرقى إلى أزمنة ما قبل الميلاد ، وبعضها يعود إلى الفترة التي امتدت بين الميلاد وظهور الإسلام ، وبعضها - وهو الأوفر - نشأ في العصور الإسلامية ، وأقول بتعبير أدق ، نشأ في العصر العباسي وفي ما بعده . وتلك الخزائن ، كان بعضها في القصور الملوكية ، أو المعابد القديمة ، أو الديارات والكنائس ، أو الجوامع والمساجد ، أو المدارس ، أو البيوت الخاصة . ومن ثمة يمكننا تقسيمها أجمالا إلى نوعين : الأول : الخزائن العامة ، وهي التي يباح غير واحد من الناس الرجوع إلى كتبها أو النقل عنها ، كالخزائن التي في المدارس والديارات والجوامع والمساجد ودور العلم الأخرى . الثاني : الخزائن الخاصة ، وهي التي كان يعنى بجمعها أفراد من الناس ، رغبة منهم في العلم أو التشجيع على طلبه ، وذلك كخزائن كتب الملوك والأمراء والوزراء والعلماء وغيرهم من صنوف الناس . وقد ردد التاريخ ذكر كثير من هذه الخزائن بنوعيها . وسبيلنا في هذا البحث أن نصف ما أتيح لنا الوقوف على خبره وصفته من الخزائن القديمة في العراق ، سواء أكانت عامة أم خاصة ، مستقين تلك الأخبار من أوثق المراجع وأثبتها ، فلا نروي خبرا ولا نورد كلاما إلا دعمناه بالمرجع ليركن القارئ إلى ما نسوقه في هذا الموضوع .